كتاب العدد حديد التسليح بين الحاجة الفعلية والمبالغة 1/2
تعتبر مادة الإسمنت من أعظم إختراعات البشرية وأكثرها إستخداماً في القرن المنصرم ,ويبدو أنها لاتزال محافظة على مكانتها وأهميتها كما هو واضح للجميع حتى بعد نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، ومن المؤكد أن كل هذا الإنتشار والإستمرارية لم يدورا في خلد جوزيف أسبن البريطاني الجنسية ، والذي حصل على براءة إختراع عام 1824 م لإكتشافه هذه المادة بعد أن قام بطحن وتسخين بعض الحجارة الجيرية والتربة الطينية ، ليحصل على مادة ناعمة على شكل بودرة تتصلد بعد تفاعلها مع الماء أطلق عليها إسم الإسمنت البورتلاندي، نسبة إلى جزيرة بورتلاند في بريطانيا .علماً بأن هناك بعض المصادر التي تشير إلى قدم هذه المادة وأنها تعود للرومان والبعض ينسبها لقدماء المصريين .
وبعيدا عن الدخول في تفاصيل علمية دقيقة حول كيفية وتاريخ صناعة الإسمنت والأنواع المستخدمه منه فإننا سوف نركز على مايسمى بالخرسانة الإسمنتية التي هي خليط من مادة الإسمنت والحصى والرمل والمياه بنسب معينة للحصول على منتج رخيص نسبياً لكون أغلب مواده من البيئة المحيطة ولسهولة تشكيلة وقولبته بحسب مايتطلبه العمل ونوعية المنشأ، والأهم من ذلك هو أنه مادة صلبة تحقق الهدف الأسمى من المسكن وهو إيواء الإنسان وحمايته من العوامل الخارجية حيث أنها تقاوم الحريق والأمطار والرياح وحرارة الشمس وغيرها من التقلبات الجوية .
ولكن رغم كل هذه المحاسن الممتازة لهذا المنتج الجيد والذي سمي بمادة الخرسانة الإسمنتية فإن له بعض العيوب التي يستوجب التعامل معها ومحاولة تلافيها أو تقليلها وهي متعددة لكن لضيق المجال ورغبة في توجيه المقال إلى هدفه فإننا سنتحدث عن عيب واحد وهو فيما يتعلق بمقاومة الخرسانة للأحمال الإنشائية .
ولتبسيط الأمر سنورد بعض الأمثلة التي قد تقرب الصورة لذهنك أخي القارئ الكريم ونبتدأ بطلب أن تتصور أنك أمام مكعب خرساني صغير بأبعاد 10 سم * 10 سم * 10سم كما نطلب منك أن تتخيل نفسك قد وضعت رجلك على هذا المكعب وألقيت بكامل ثقلك (65 كجم ) عليه فهل تتوقع أن يتأثر بشيئ ،لا شك بأنك ستجيبنا بإن هذا المكعب وحسب هذه الطريقة سيحمل ماهو أثقل منك بكثير لدرجة إنك ستقول بأنه مؤهل لحمل وزن قد يعادل عشرة أضعاف وزنك دون أن ينكسر , وأنا سأكون مؤيداً لك بذلك بيد إنني سأزيد الأضعاف إلى أكثر من ثلاثمائة ضعفاً حيث أن هذا المكعب سيحمل_ في ظل الظروف المعتادة _ ما مقداره 20 طناً من الأحمال (لأن كل 1 سم2 من مساحته المواجهة للحمل يتحمل 200 كجم ), الأمر يدعو للدهشة أليس كذلك ؟.
لمرة أخرى نريدك أن تتصور معنا بأنك أمام شكل خرساني آخر بأبعاد (طول 1م وعرض 10 سم وعمق 10 سم ) معلق بالهواء ومسند من طرفيه على دعائم من الحجر الصلب ومطلوب منك أن تضع رجلك في منتصفه المعلق وترمي بكامل ثقلك على هذا الشكل فماذا تتوقع أن يحصل له كردة فعل تجاه هذا الحمل ؟ وكم يمكن أن تضاعف الوزن في حال لم ينكسر أول مرة .؟..لاشك بأنك ستدرك ضعفه هذه المرة بمجرد الوقوف عليه .
في المثالين السابقين إستخدمنا نفس المادة ووجدنا جبروتها وقوتها في المرة الأولى ولكننا لم نجد ذلك في المرة الثانية فماهو السبب؟
إن مادة الخرسانة تعتبر قوية جداً في مقاومة قوى (الضغط ) كما حدث في المثال الأول ولكنها في المقابل تعتبر ضعيفة جداً في مقاومة قوى (الشد) كما رأينا في المثال الثاني ، وأن موقع العنصر الخرساني من المنشأ هو الذي يحدد تعرضه لقوى الشد أو قوى الضغط وهناك قوى أخرى يعرفها المهندسون ولكنها تعتبر ثانوية في المنشئات العادية كمنازل المواطنين وغيرها ولا نرى داعياً لذكرها في هذا المقال.وإن الإنسان العادي غير المتخصص يعرف أن أعمدة المبنى غالبا تتعرض لقوى ضغط أكثر من غيرها ويعرف أيضا أن الجسور والأسقف تتعرض لقوى الشد بكثره لكن المهندس المختص يمكنه عن طريق الحسابات الدقيقة تحديد هذه القوى في كل نقطه من نقاط المنشأ ومن ثم يقوم بالتعامل معها وفق ذلك .
هنا قد يقول قائل كل هذا الذي سبق هو حديث عن أمور علمية متخصصة ولا تهمني كصاحب منشأ وكل مايهمني هو هذه المبالغ الباهظة والمدفوعة مقابل مادة الحديد التي لم يتم التطرق لها لا من قريب ولا من بعيد في ثنايا السطور السابقة ، ونحن نقول له بإنك على حق ولكننا رغبنا بهذه المقدمة لغاية في أنفسنا وهي أن ندخلك معنا في أهمية مادة الحديد التي تم إستخدامها كمادة تدعيم ومساندة لمادة الخرسانة خاصة في أماكن ضعفها وهي مناطق قوى الشد حيث أن مادة الحديد يمكنها العمل بنجاح في هذا الجانب ولذلك تم تسميته بحديد التسليح لأن عملية التسليح هي عملية تعويض النقص في جانب معين وهذا أمر طبيعي تقوم به كل الكائنات التي هي ضعيفة في جانب معين لدرجة أن هناك آلاف الأنواع من الأسلحة التي قد يكون أقلها سلاح التمويه عند بعض الكائنات مروراً بسلاح الدموع عند المرأة إلى أسلحة الدمار الشامل .
وأنا هنا أرجو منك أخي القارئ إعادة تخيل ما يحدث بالعنصر الخرساني الوارد بالمثال الثاني وتخيل أن بداخله عدة قضبان حديدية فكيف تتوقع سلوكه هذه المرة ؟ لا شك بأنك ستقر بأنه تم تدعيمه وأصبح أقوى بكثير من السابق ، وهنا فقط أتوقع بأنك قد أدركت تماماً وبصورة عملية أهمية وجود حديد التسليح وأين نحتاج هذا الحديد في المنشأ الخرساني .
وجدير بالذكر أن تسليح المباني هو أمر قديم جداً حتى مع المنشئات الطينية التي كانت في الماضي ،حيث تم يتدعيم الأسقف بمادة الخشب وجذوع النخيل، وهناك حيلة أخرى للمباني الحجرية ألا وهي البناء بطريقة القباب حيث أن عمل القبة في السقف يقوم بتحويل قوى الشد إلى قوى ضغط (عليك أن تتصور كيف يتم ذلك ) وبالتالي فإنه لاداعي لعمل تدعيم وتسليح في هذه الحالة .
وأنك حينما تقرر بناء منزلك حسب الطريقة الشائعة والمعتادة فإنك تبني منزلاً من الخرسانة المسلحة مقتنعاً بأنه لابد من وجود مادة أخرى غير الخرسانة تقوم بمهمة مقاومة قوى الشد التي رأيت بأم عينك ضعف الخرسانة في مقاومتها بحسب المثال الذي تم إيراده سابقاً, وهذا الأمر يعني بأنك سوف تشتري مادتي الخرسانة والحديد معاً على حد سواء وتقوم بعملية دمجهما مع بعض لتحصل على منشأ يحقق الأهداف المأمولة منه من ناحية تأدية الغرض المطلوب وفق معايير الجودة والمتانة والأمان والدوام.
وسوف نحاول - بإذن الله - إلقاء الضوء في المقال القادم على واقع البناء في منطقتنا العزيزة وهل هناك بالفعل مبالغة في كمية الحديد المستخدم في البناء وماهي الأسباب المؤدية لذلك, وهل من الممكن تقليص هذه الكميات ، خاصة إذا علمنا إن تكلفة الحديد تمثل حوالي 20 % من التكلفة الكلية للمبنى وفق دراسة قمت بها شخصيا قبل سنوات قليلة عن واقع البناء في المنطقة ، كما إن المقال قد يضم أي معلومات أخرى تناسب الموضوع ويتطلبها الحديث والله الموفق .
المهندس : عايد بن عياش العنزي
رئيس بلدية العويقيلة
فليكن تعليقك بعيداً عن المساس بالدين
، والوطن ، و ولاة أمره
وعبر
عن وجهة نظرك بمسؤولية ، دون إساءة لأحد
الـتـعـلـيـقـات
[النحوي] [ 07/02/2010 الساعة 4:35 صباحاً]
مقال جميل .... ومعلومات مفيدة ودقيقة
نتابع مقالاتك التي تتميز بلغتها الراقية ..
وفقك الله يا مهندس ..
نتمنى الاستمرار في هذه المقالات النافعة للناس من شخص مهندس وكاتب ناجح ...
دمت بخير
[مدرس] [ 07/02/2010 الساعة 9:23 مساءً]
هذا الذي نحن بحاجة له وهو التخصص يتحدث عايد عن اختصاصه وهو القرب
[اخوك م/عوده] [ 08/02/2010 الساعة 5:38 مساءً]
كلام رائع
من شخص رائع
أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس
ومقالك كله منفعه اثابك الله
[ابو خالد احمد] [ 09/02/2010 الساعة 9:48 صباحاً]
وفقك اللة والي الامام
[مقاول ] [ 10/02/2010 الساعة 2:58 مساءً]
بارك الله فيك وفي علمك ونشكرك على هذا التبسيط مع المحافظة على دقة وعلمية المقال