الحياة والشريعة ملابسات دعوة القرضاوي للحوار مع الديانات الآسيوية
لا يكف الداعية الإسلامي يوسف القرضاوي عن إطلاق الفتاوى والدعاوى المثيرة للجدل، وآخرها الدعوة التي أطلقها للحوار مع أصحاب وأنصار الديانات الشرقية، مثل البوذية والزرادشتية والكونفوشية، وهي الدعوة التي قوبلت باستغراب واستنكار شديد من قبل بعض العلماء والدعاة الإسلاميين، لكونها بعيدة إلى حد كبير عن القضايا المباشرة، والواقع اليومي الذي يشغل معظم الدول العربية، فأصحاب هذه الديانات الشرقية غير موجودين في الكثير من البلدان العربية، ولا يشكلون هماً أو عبئاً عليها في الإقامة أو العمل بها، وما يفسر تلك الدعوة هو الوجود الطاغي لأصحاب تلك الديانات في معظم دول الخليج العربي، وخاصة دولة قطر التي يقيم فيها القرضاوي منذ عشرات السنين ويحمل جنسيتها، ما يبرر دعوة القرضاوي للحوار مع أتباع هذه الديانات هو دافع إعلاء قيمة السلام والتصالح والمحبة والتواصل بين البشر، فهو في الحقيقة يقدم خدمة أو مسوغاً للدولة التي يعيش فيها وللمجتمعات الخليجية عموماً، مفادها وضع تلك العمالة القاطنة فيها في اعتبارهم.
فمعظم العمالة التي تعيش في دول الخليج، خاصة قطر والبحرين والإمارات والكويت، قادمة من شرق آسيا، وتنتمي لدول تشيع فيها الديانات الأرضية، وربما يكون بعض أبناء المجتمعات الخليجية الأصلاء يرون في تشغيل هذه العمالة، أو الاحتكاك بها أو التعامل التجاري أو الحياتي مع أتباع تلك الديانات، حرجاً بالغاً، خاصة في الأوساط السلفية والأصولية المتشددة، التي عادة ما يكفِّر أبناؤها أتباع الديانات الأخرى على الإطلاق، ويرفضون التعامل معهم، فضلاً عن مجرد إقامة الحوار سواء حول الأمور الدينية أو الحياتية، لذلك جاءت دعوة القرضاوي لترفع الحرج، وتحل محل الفتوى من منطلق إنساني صرف، وزاد عليها بالإعلان عن مؤتمر تستضيفه نيودلهي في 20 فبراير الجاري، من أجل إقامة هذا الحوار بشكل موسع، داعياً إلى النظر لتلك الديانات بشكل عملي، من خلال الاستفادة من المنافع التي يمكن أن تقدمها للمجتمعات الإسلامية، والبعد عن الأمور الأخرى غير المفيدة، ما يعني أن الدعوة لها غرض إضافي يتمثل في الترويج أو الدعاية لمؤتمر سيحضره القرضاوي، بصفته رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
على الجانب الآخر، يتذكر الكثيرون للشيخ القرضاوي الضجة التي أثارها من قبل حول موقفه من الشيعة وقيامه بتكفيرهم تقريباً، أو اتهامهم بالعمالة والخيانة والعمل لصالح أجندات خارجية لخدمة الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية، وهو ما وصفه بأنه غزو شيعي وإيراني للمنطقة العربية، وحذَّر منه أيما تحذير، حتى أن بعض الرموز الشيعية طالبت الأزهر بإسقاط عمامة القرضاوي، بمعنى نفي الصفة الدينية عنه وسحب مصداقيته كداعية إسلامي، من المفترض أن يكون بينه وبين السنة قواسم مشتركة تدعو للحوار والتواصل.
على الجانب الآخر، كان علماء الشيعة في تلك المعركة يضعون علامات استفهام كثيرة حول موقف القرضاوي المتسامح جداً مع النصارى، ودعوته للحوار معهم والتزاوج منهم، وما إلى ذلك، في حين لا يتخذ الموقف نفسه من الشيعة الأقرب للمسلمين من النصارى، ما جعل تصريحات القرضاوي، أو فتاواه، يتم التعامل معها بحذر وحرص شديد، لكونه يبني مواقف شرعية على أساس الهوى الشخصي، ويلبسها بعد ذلك زياً إسلامياً أو إنسانياً، بحسب الموضوع الذي يثير الجدل فيه، وهو ما ينطبق على الدعوة الأخيرة بالحوار مع أتباع الديانات الأرضية، التي بدت شاذة وغريبة في أكثر من جانب، أولاً لكونها تفترض انقطاع الحوار أو حرمانيته بين الإسلام والديانات الشرقية، وهو أمر غير مقبول أو مبرر، وثانياً لأنها تتصدى لقضية هامشية وفرعية وتتعلق بمجتمعات بعينها، صاحب الدعوة هو أيضاً صاحب مصلحة فيها، وتترك القضايا الرئيسية والمهمة والملحة، التي تشغل حيزاً من هموم معظم الدول العربية، مثل قضية التقريب بين المذاهب، تحديداً السنة والشيعة، وقضية التعايش بين المسلمين والنصارى، وتحديداً الأقباط في مصر، وثالثاً لكون الدعوة ترتدي العمامة الدينية، وتدّعي التوجه نحو التقارب الإنساني، في محاولة لإضفاء صبغة شرعية على العلاقات الإنسانية وكأنها بلا شرعية أو بلا أرضية دينية، ما يجعل دعوة القرضاوي مثيرة للجدل والاستغراب أكثر من فتاواه ودعاواه الأخرى التي كانت مثار جدل طويل في الأوساط الإسلامية والعربية عموماً.